النهر الخالد – لؤلؤة في تاج موسيقار الأجيال #المبدعة_الربانية

من أجل أن نقدم فنا كاملا، لا يمكننا أن نتخلص من أصلنا ولا يمكن أيضا أن نتجاهل معاصرتنا للواقع.

 محمد عبد الوهاب

 

مسافر زاده الخيال…
والعطر والسحر والظلال…
ظمآن والكأس في يديه…
والحب…والفن…والجماااال.

كلمات رائعة زادتها النغمات الرشيقة عذوبة وجمالا…أغنية النهر الخالد كللت هامة منتصف القرن العشرين، حيث ظهرت للنور عام 1954 من ألحان وغناء موسيقار الأجيال الحاضر الغائب محمد عبد الوهاب وكلمات الشاعر الراحل محمود حسن إسماعيل.
المقدمة الموسيقية تعجز الكلمات عن وصف روعتها وملائمتها الشديدة لما تلاها من كلمات. آلة الكمان لعبت فيها دور البطولة منذ اللحظة الأولى. فبعد مقدمة قصيرة ورشيقة غلب عليها الطابع الروحاني، تم تكرار نفس الجملة اللحنية عدة مرات تضمنت تنويعا بديعا. فتارة تعزف جميع الآلات الجملة اللحنية بالكامل، وتارة يعزف الكمان منفردا أجزاء من الجملة اللحنية فترد عليه بقية الآلات بتناغم خلاب. واختتمت نفس الجملة اللحنية للمرة الأخيرة بعزف جميع الآلات وكأنها ترمز لفضيان النيل…

اختار الموسيقار محمد عبد الوهاب مقام كرد لهذه الأغنية الرائعة وهو مقام يتناسب تماما مع روح الأغنية. فمقام الكرد من أسهل المقامات في السلم الموسيقي كما أنه يجيش بالمشاعر والعواطف. ورغم ذلك فقد أبت عبقرية عبد الوهاب الموسيقية الاكتفاء بمقام الكرد، فراح يتنقل ما بين الكرد والحجاز والشورى والسوزناك والراست.

هذا التلوين البديع جعل هذه الأغنية الخالدة محببة إلى الهواة والمتخصصين على حد السواء. بل إن بعض المتخصصين اعتبروا “النهر الخالد” من أروع الأغنيات الوصفية التي قدمها عبد الوهاب على مدار تاريخه الفني الطويل.

وأبرز ما يميز الجمل اللحنية أنها جسدت المعاني ببراعة شديدة. فحينما استمعت للنغمات الحالمة لمقطع ” والناس في حبه سُكارى… هاموا على شطه الرحيب”، لم يسعن إلا الانحناء احتراما لعبقرية هذا الموسيقار العظيم.

ورغم الجدل الذي أثير عن اقتباس موسيقار الأجيال للحن هذا المقطع من افتتاحية “هاملت” للموسيقار الروسي تشايكوفسكي، فإن هذا الأمر يحسب له لا عليه. فقدرته الفائقة على تطويع الموسيقى الغربية وإعادة توزيعها بآلالات شرقية شهادة في حقه كرائد من أبرز رواد تجديد الموسيقى العربية في القرن العشرين.

فعبد الوهاب كان متمردا على القديم وكان من أوائل الذين خلعوا عباءة حزب “المحافظين” الموسيقيين إن جاز التعبير. فهناك العديد من الأسماء اللامعة نذكر منها زكريا أحمد ومحمد القصبجي الذين – مع كامل الاعتراف بتراثهم الموسيقي الثري – آثروا الاحتفاظ بالهوية الأصلية للموسيقى الشرقية دون إضافة أو تجديد.

والجدير بالذكر أن عبد الوهاب لم ينكر اقتباساته، ولكنه أعرب عن اندهاشه من المعايير المزدوجة لمن هاجموه منفردا ولم يوجهوا نفس الانتقاد لأعلام الأدب العربي من أمثال طه حسين ومحمد حسنين هيكل وأحمد لطفي السيد رغم تأثرهم الواضح بالأدب الغربي.

المايسترو سليم سحاب كان من أبرز المدافعين عن موسيقار الأجيال، موضحا أن منظمة «اليونسكو» العالمية قد حصرت ما اقتبسه عبد الوهاب من أعمال عالمية في 13 لحنا فقط. فما اقتبسه من ألحان ليس إلا قطرة في بحر عطائه الفني الذي ذخر بمئات الألحان.

أعط فنك كل شيء تأخذ منه كل شيء.” مقولة تنسب إلى موسيقار الأجيال الذي كرَس حياته لفنه فخلف لنا هرما رابعا وصرحا شامخا تزهو لبناته بالأصالة والمعاصرة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s